ابو البركات

365

الكتاب المعتبر في الحكمة

ما قلنا وعلمته يقينا وفي النفس من صور المحفوظات على كثرتها بأقدار واشكال ما يعظم أحدها عن أن يقال إنه في البدن بل عن أن يتصور كونه في بلدة فيها ألوف من اشخاص الناس فكيف ان يكون في بدن أحدهم بل في جزء صغير من بدنه - كل هذا سبق القول فيه فليس كون النفس في البدن كون العرض في موضوعه فليست بعرض في البدن فبقى أن تكون عرضا في موضوع غير البدن أو جوهرا قائما بنفسه ، ولا يجوز أن تكون عرضا في غير البدن مما هو خارج عن البدن ولا يتصل به فانا نعلم أنها في البدن ومع البدن فاما أن تكون هي وموضوعها في البدن ومعه أو يكون البدن في جملة موضوعها ومعه وقد استحال أن تكون هي وموضوعها في البدن كما ظن قوم ان موضوعها الروح فهي في الروح والروح في البدن حتى تكون النفس بالروح المحوى في البدن محوية في البدن لأن ذلك يستحيل بما استحل به القول بأن النفس عرض في البدن فليست النفس بعرض في موضوع هو البدن أو محوى في البدن فبقى أن تكون ان كانت عرضا في شيء أعظم من البدن متصل بالبدن والبدن في جملته كالفضاء والهواء المحيط بأبدان الناس ؛ وهو أيضا مستحيل لأنه لو كان كذلك لقد كان الناس يشعرون من الهواء المحيط بهم وفيه بمثل ما يشعرون به من أبدانهم وفيها فيحسون بالواردات اليه وعليه ويلتذّون بالمناسب منها ويتأذون بالمباين كالتذاذهم وتأذيهم بالواردات على أبدانهم وإليها ونحن نعلم أن الانسان قد يكون بقربه في الهواء المحيط به ما لا يشعر به ولا يحس سواء كان مناسبا أو مباينا ، وأيضا فان النفوس لو كانت كذلك لقد كانت تزدحم بتقارب أبدان الناس وتتأذى بذلك حيث يضيق الفضاء بالتقارب عن ازدحامها ولا نجد الحال كذلك ، وكان أيضا ما يفرق الهواء من الأجسام يفرق اجزاء النفس كتفريقه الهواء الذي هو موضوعها كما يفرق البياض ويقسمه من فرق موضوعه وقسمه كان يؤذيها ذلك في موضوعها الذي هو الهواء كما يؤذيها ويؤلمها ما يصيب البدن من تفرق الاتصال . والانسان